محمد سعيد رمضان البوطي
379
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
السطح الظاهري مفصولا عن جذوره وعوامله ! . . يوسعون ضحايا هذه الفتنة هجوما وتجريحا ونقدا واتهاما ، ولا يلتفتون بكلمة واحدة إلى صناع هذه الفتنة وحراسها والنافخين في نيرانها بدءا من التخطيط لقتل عثمان وانتهاء بقتل علي رضي اللّه عنه ! . . أليست الكتابة عن هذه الفتنة بهذا الأسلوب ، جزءا لا يتجزأ من المكيدة ذاتها ؟ . . ثالثا - يقينا منا بإخلاص سيدنا عليّ كرم اللّه وجهه فيما يفعل ويذر ، وبأنه لا يتبع في شيء من ذلك هوى نفسه أو مصلحة شخصه ، ويقينا منا بعلمه الغزير ، وبأنه كان المرجع والمستشار الأول لكلّ من الخلفاء الثلاثة الذين خلوا من قبله ، ونظرا إلى أنه قبل مبايعة الناس له بعد مقتل عثمان ، واعتبر مخالفة معاوية له وإصراره على ذلك بغيا ، وعامله بعد طول نقاش وحوار على أساس ذلك - فإننا نقرر ما قرره جمهور علماء المسلمين وأئمتهم من أن معاوية كان باغيا في خروجه على عليّ ، وأن عليّا هو الخليفة الشرعي بعد عثمان . غير أننا يجب أن لا ننسى أن الباغي مجتهد ومتأول ، وإذا جاز لصاحب الاجتهاد المقابل أن يحذره ثم ينذره ثم يقاتله ، فإنه لا يجوز لنا وقد انطوى العهد بما فيه أن نتخذ من انتقاص معاوية ديدنا وأن نقف منه ، دون أي فائدة مرجوة ، موقف الندّ من عدوه اللدود . وحسبنا ، في مجال العقيدة ، أن نعلم طبقا لما تقتضيه قواعد التشريع ، أن الخليفة بعد عثمان هو عليّ رضي اللّه عنه ؛ وأن معاوية ، كان يمثل في تمرده عليه طرف البغي ، ثم نكل الأمر فيما وراء ذلك إلى اللّه عزّ وجل . رابعا - لا يشك المتتبع لمواقف الخوارج ، وانقلابهم من أقصى درجات التأييد لعليّ والدفاع عنه ، إلى أقصى درجات التمرد عليه والتربص به والعدوان عليه ، أنهم إنما ذهبوا ضحية التطرف . وقد علمت أن الإسلام إنما يقوم في عقائده وسلوكه على الوسطية . وإنما تفهم حدود الوسطية فيه بضوابط العلم وموازينه . فمن استقى العلم من مصادره ، واستكان إلى قواعده ومقتضياته ، والتمس له الحلم والأناة ، عوفي من الانجراف إلى أي من طرفي الإفراط والتفريط . وقد كان جلّ الخوارج من أجلاف البادية وقساة الأعراب ؛ فلم يكن لشيء من موازين العلم وما تستدعيه من تحلم وأناة ، من سبيل إلى عقولهم أو نفوسهم . فكان لا بدّ أن يستسلموا لرعوناتهم النفسية وجلافتهم الطبيعية . وقد تجلّى ذلك في تكفيرهم عليا رضي اللّه عنه بسبب قبوله للتحكيم ، وقد انبثق عن موقفهم هذا تكفيرهم الناس بارتكاب الكبائر ، بل ذهب كثير منهم إلى التكفير بارتكاب المعصية مهما كانت . ولا تزال آثار هذا التطرف ممتدة إلى عصرنا هذا ، فهواية التكفير لأبسط الأسباب إنما تمثل عقلية التطرف هذه ؛ وهي - كما قلنا - عقلية ترفض العلم وتتمرد على قواعده وضوابطه .